الثلاثاء، 21 يوليو 2009

المرشد العام وحديث من القلب (8)





المرشد العام وحديث من القلب (8)

[12:24مكة المكرمة ] [21/07/2009]

الأخ المسلم بين الذاتية والإمعية

من أهداف التربية عند الإخوان تنمية التفكير والوعي لدى الأخ المسلم، ليميز الغثَّ من السمين، والحسنَ من القبيح؛ حتى لا يكونَ عبدَ شهوته من جهةٍ، ولا إِمَّعَةً من جهة أخرى، وقد دأبتْ هذه الجماعةُ المباركةُ على أن يتعوَّد الإخوانُ الذاتيةَ والإيجابيةَ، والطاعةَ البصيرةَ المؤسَّسةَ على معرفة كاملة بما هم قائمون له، على حدِّ قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ائْتُوا الْأَمْرَ مِنْ تَدَبُّرٍ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً"، قالوا: وما الإمَّعَة؟ قال: "الَّذِي يَجْرِي بِكُلِّ رِيحٍ" (الزهد لأبي داود).

ويدرك الأخ المسلم ويتربَّى على أنه لا أحدَ فوق النقد، ولا أحدَ معصومٌ من الخطأ، وعلى الأخ أن يبذل النصيحة بشروطها وآدابها لكل واحد في الجماعة، مهما علا كعبُه، ومهما عظمت مكانتُه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ" قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: "لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" (متفق عليه)، وقال صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ" (أَبُو دَاوُد)؛ أَيْ أنَّ الْمُؤْمِنُ يُطْلِعُ أَخَاهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ عَيْبٍ وَيُنَبِّهُهُ عَلَى إصْلاحِهِ، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ، إِذَا رَأَى فِيهِ عَيْبًا أَصْلَحَهُ" (البخاري في الأدب)، ويرحم الله الإمام الحسن البصري إذ يقول: "المؤمن مرآة أخيه، إنْ رأى فيه ما لا يُعجبُه سدَّده وقوَّمَه وحاطَه وحفظه في السرِّ والعلانية".
والأخ المسلم في قيامه بهذا الواجب الشرعي يأبى أن يكون إِمَّعةً، ولا يميل إلا مع الحق، على النحو الذي دعا إليه ابنُ مسعود رضي الله عنه حين قال: "مَنْ جَاءَكَ بِالِّصْدِق مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَغِيضًا، فَاقْبَلْهُ مِنْهُ، وَمَنْ أَتَاكَ بِكَذِبٍ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَإِنْ كَانَ حَبِيبًا قَرِيبًا، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِ".
فليست الطاعة أو الجندية عند الإخوان قبولاً لكل شيءٍ بلا وعي ولا تمحيص، كما يروِّج خصوم الجماعة، بل هي طاعةٌ مبصرةٌ، تتوخَّى الحقَّ، وتتحرَّى الصوابَ، وتستهدي السبيل.
والأخ المسلم في ظل جماعته المباركة يعرف هدفَه بوضوح، وتلتهب مشاعره وهو يرى واقع الأمة الحاضر، ويتذكَّر مجدَها الغابر، فينطلق ذاتيًّا، ويُعِدُّ العُدَّة، ويأخذ الأُهْبة، ويجدد النشاط في خدمة دينه وأمته ودعوته، ويُسخِّر كل طاقاته وإمكانياته لرفع منارات الإيمان، وهداية الحيارى، وإرشاد التائهين، وفي هذا يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: "نحن نريد نفوسًا حيَّةً قويةً فَتِيَّةً، قلوبًا جديدةً خفاقةً، مشاعرَ غيورةً ملتهبةً متأجِّجةً، أرواحًا طموحةً متطلعةً متوثبةً، تتخيَّل مثُلاً عليًا، وأهدافًا ساميةً لِتَسْمُوَ نحوها وتتطلعَ إليها ثم تصل إليها، ولا بد من أن تُحَدَّد هذه الأهدافُ والمُثُل، ولا بد من أن تُحْصَر هذه العواطفُ والمشاعر، ولا بد من أن تُرَكَّز؛ حتى تصبح عقيدةً لا تقبل جدلاً ولا تحتمل شكًّا ولا ريبًا".
وأيًّا ما كان تقصيرُ الآخرين من إخوانه أو غيرهم في القيام بالواجب وأداء الرسالة؛ فالأخُ المسلم لا يتوقف، بل ينطلق عاملاً في غير كسل، داعيًا من غير ملل، لا يقول أنا مع الناس، بل يتقدم الناس، ويؤدي الواجب، ويُعذِر إلى الله، ويردِّد ما كان يقوله الإمام البنا رحمه الله: "إنَّ الدعوةَ إلى الله علينا فريضةٌ، لا يُخَلِّصنا منها إلا الأداءُ، ولا يُقْبَل فيها عذرٌ ولا هوادة".
فيا أيها الإخوان المسلمون.. لا نريد أن يكون الأخ إِمَّعَةً مهتزًّا، يتأثر بكل ما يسمع، بل نريده أن يكون إمامًا وقائدًا وزعيمًا في الخير والحق، ومبتكرًا مجدِّدًا في طرق الدعوة والإصلاح، ومجتهدًا في إرشاد العقول بالبيان والتعليم، وأن يحرِّك الهممَ والعزائمَ إلى التسابق إلى المعالي، وأن يقدم النصيحةَ لإخوانه في إطارها المشروع وبآدابها المعلومة، حتى يحقِّق الله بكم نصر الحق وتحرير الأوطان، ورفع منارة الإيمان، والله معكم بالتوفيق والتسديد والتأييد.
وإلى لقاء آخر مع (حديث من القلب) أستودعكم الله، والله أكبر ولله الحمد.

محمد مهدي عاكف
المرشد العام للإخوان المسلمين

رسالتي إلى الإخوان (4)
[12:42مكة المكرمة ] [21/07/2009]
بقلم: أ. د/ محمد السيد حبيب
"لو كان الفقر رجلاً"

الإخوة الأحباب.. أُحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

فـ"لو كان الفقر رجلاً لقتلته".. قالها الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين فذهبت مثلاً؛ استشعارًا منه رضي الله عنه بحجم المعاناةِ التي يتعرَّض لها الفقير في كل عصرٍ ومصر.. فتجاوزت كلماته حدودَ الزمان والمكان، وصارت تتردد على الألسنة والشفاه.
لقد أوجع الفقرُ والفقراءُ قلبَ الإمام، وكيف لا وقد نزل فيه وفي الزهراء رضي الله عنهما قول الحق جلَّ وعلا: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)﴾ (الإنسان).. إنه الحس المرهف، والعاطفة الجياشة، والشعور الرقيق، والضمير الحي، والقلب الزكي.. إنها تربية النبوة ومدرسة الرسالة.. إنه البصر الشاخص إلى السماء أبدًا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، هي الرحمة التي أودعها الله قلوب عباده الصالحين.
"مَن لا يَرحم لا يُرحم".. كلمات أطلقها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.. قاعدة يجب أن تحكم العلاقات بين بني البشر، بين الحاكم والمحكوم، بين الغني والفقير، بين الوزير والخفير؛ حتى تستقيمَ أمورهم وتستقر أحوالهم، وينعم عيشهم برحماتِ الله التي تتنزل عليهم.
لقد سُطِّرت كلمات الحبيب على هاماتِ الزمان بأحرفٍ من نور، ولِمَ لا وهو الرحمة المهداة، كما قال ربُّه جلَّ وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، وقوله سبحانه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ثم انظروا وتأملوا قوله تعالى: ﴿ورحمتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 156).. انظروا كيف ربط سبحانه الرحمة بالتقوى والإيمان والزكاة.

أيها الإخوان..

مَن لنا بالأنصار ﴿...وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ (الأنفال: من الآية 72)، والذين قال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9).

يا أنصار الله..

إنَّ الأغنياءَ يتسابق الكل إلى خدمتهم وقضاء حوائجهم ولو لم يُطلب منهم ذلك، أما الفقراء فمَن لهم غير الله؟ مَن لهم غير الرحماء من عباده؟ مَن يُفرِّج كروبهم وينافح عنهم؟
مَن للفقراء غيركم، يهتمُّ بهم، يسأل عنهم، يقترب منهم، يداوي جراحاتهم، يزيل آلامهم، يمسح بيديه الحانية على قلوبهم، يرسم البسمة على شفاههم؟!

علم أن الكثيرين منكم يعيشون عيشةَ الكفاف، وأنكم جزءٌ من هذه الطبقة المسحوقة من شعب مصر الطيب، لكن أعلم- أيضًا- أنكم من أغنى الأغنياء بما تمتلكون من قناعة، وكرامة، وعزة، ومروءة، وإقبال على الآخرة.. ورغم معاناتكم إلا أنكم تحاولون تخفيف الآلام عن غيركم.
مَن للذين يعيشون على هامش الحياة، يبيتون على الطوى، لا يجدون ما يستر أجسادهم؟

َن للمرضى أصحاب الأجساد العليلة والنفوس الكسيرة؟ مَن لساكني الخيام والأطلال في غزة المجاهدة والمحاصرة؟، ومن لساكني علب الصفيح والجحور والقبور في القاهرة؟
لقد تكأكأت عليهم الحكومات، وأعرض عنهم الحكام والزعامات والقيادات.. ليس لهم في قلوب هؤلاء نصيب، مع أن الرحمة من لوازم الحكم ومتطلبات القيادة، ويعجب الإنسان من هذه القسوة والغلظة.. كأني أسمع الآن صرخات ضحايا العبَّارة وهم يصارعون الموت في عمق البحر فيتوجع القلب.. وهؤلاء البؤساء الذين احترقوا وتفحموا داخل القطار، أو سُحقوا تحت كتل المقطم فيقشعر البدن.. كأني أسمع الآن آهات الشهداء من أطفالنا ونسائنا في غزة أثناء حرب الإبادة التي شنَّها الصهاينة على أهلنا فى القطاع فيتفطر الكبد.

يا أرحم الناس..

من للمسحوقين والمطحونين- وما أكثرهم خاصةً في هذا الزمان- غيركم؟.. أعلم أنكم تعملون بتفانٍ في هذا الميدان، ليس منَّةً منكم ولا تفضلاً، لكنْ إحساسًا رفيعًا بالمسئولية، وشعورًا عميقًا بالتبعة، واستجابةً صادقةً للرسالة التي تحملونها بأمانةٍ وشرفٍ رغم العوائق والاضطهاد والقمع الذي تتعرضون له.

أعلم أنكم لا تألون جهدًا في القيام بهذه الفريضة الكبرى تجاه بني وطنكم وأمتكم.. لكنها التذكرة.. مِن بابِ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾ (الذاريات).

نعم إمكاناتكم محدودة وقدراتكم متواضعة، غير أنها جهد المقلِّ، والبركة التي يطرحها الله في أعمالكم.. أعلم أن هناك الكثير من الأتقياء الأخفياء من أهل الخير والكرم والجود من شعب مصر، الذين لا يألون جهدًا في البذل والتضحية والعطاء.. هؤلاء لا يقلون عطاءً ولا يدخرون وسعًا، ولهم دورهم الفذُّ في إقالة عثرات الوطن في كل المجالات والميادين.. لهم منا وافر التحية وتقبل الله منهم ومنكم.
أيها الإخوان..

هذه هي مهمتكم، ولن يقوم بها غيرُكم، ومَن سار من الكرام على دربكم، وأنتم وهم- بإذن الله- أهلها ورجالها.. والله معكم ولن يتركم أعمالكم، والله من وراء القصد.

----------




ليست هناك تعليقات: