السبت، 18 يوليو 2009

ثق بأننا أخيار و لا فخر...


ثق بأننا أخيار و لا فخر...
الدكتور علي الحمّادي
أوضحنا في مقالاتٍ سابقة من هم مهندسو الحياة وصُنّاع التأثير، ثم بدأنا نعرض كيفية هندسة الحياة و صناعة التأثير، و ذكرنا كثيراً من الطرق و الوصايا التي ترشد و تعين كل صاحب عزيمة كي يكون مهندساً للحياة و صانعاً للتأثير و رقماً صعباً في دنيا الناس. بهذه الوصايا و الطرق يمكنك عزيزي القارئ أن تترك بصماتك في هذه الحياة، و أن تشعر بأهميتك و دورك و قيمتك، فضلاً عن مضاعفة الأجر و الثواب من قبل الله تعالى إن صاحب ذلك إخلاص و صواب.

في مقالة اليوم نتابع استعراض وسائل و مقوّمات النجاح لدى الفرد و جعله عنصراً فعّالاً في نجاح الأمة.

أمة تتنصّل من ماضيها هي امّة تتخلّى عن حاضرها و مستقبلها:
الأمة المرشحة للنهوض هي تلك التي تعتز بماضيها و تفتخر بتاريخها مستمدة منه ما يشعل الحماس و يلهب المشاعر لتحقيق إنجاز مشرف في حاضرها و مستقبلها. و لذا لم تُغفل الدول الواعية حضاراتها السحيقة و تراثها القيمي والتاريخي، بل تغنت به وسطرته في مناهجها التعليمية، وأرضعته لأبنائها، فتناقلوه جيلاً بعد جيل.

و لعل من أهم منافع الاهتمام بالتراث زرع الثقة بالذات و الكفر بالتبعية الذليلة للآخرين، وإيجاد نفسية التحدي والتخلص من عقدة النقص، والشعور بالعزة والكرامة والإباء.

و في فترات التخلف تضعف الثقة بالنفس، و ينبهر الضعيف بإنجازات القوي، فيبدأ يقلّده في كل شيء حتى في تسريحة الشعر و نوعية اللباس و طريقة الأكل و طبيعة الكلام، بل و يتبعه شبراً بشبر وذراعاً بذراع، و يجري وراء كل تافهة تخرج من القوي دون وعي أو تفكير، وهذا شأن الضعفاء عبر التاريخ.

و وصل حال بعض المنبهرين (من العرب والمسلمين) بإبداعات الغرب إلى أن فقدوا الثقة بأنفسهم و بحضارتهم، لذا يصرخ أحدهم قائلاً: إنا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئتهم، والنجاسات التي في أمعائهم!!

و كتب آخر في كتاب (اليوم و الغد) فقال: يجب علينا أن نخرج من آسيا و نلتحق بأوروبا، فإنه كلما ازدادت معرفتي بالشرق ازدادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما ازدادت معرفتي بأوروبا ازداد حبي لها وشعوري بأنها مني و أنا منها. فهذا هو مذهبي الذي أعمل به طول حياتي، سراً وجهراً، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب!!

نعم للإعجاب... كلّا للانسلاب!
إننا لسنا هنا ضد الاستفادة مما عند الآخرين، بل ندعو لذلك ونشجع عليه، ونعتبره عين الحكمة، بل ينبغي أن نجوب الدنيا شرقاً وغرباً سعياً وراء كل فائدة يمكننا بها خدمة أمتنا والنهوض بها. إننا نقفُ ضد هذا الانبهار الذي يودي بصاحبه إلى عقدة النقص و يولد الهزيمة النفسية، و يسبب تبعية مزرية للآخرين ويمنع من تحدي الأقوياء ومنافستهم، و يحول دون المبادرات الفذة والإنتاجات المبدعة، بل ويفقد الثقة بالنفس والولاء لهذه الأمة.

وما أجمل ما سطره المتنبي حيث قال:
عش عزيزاً أو مُت وأنت كريم بين طعن القنا وخفق البنود
واطلب العز في لظىً ودع الذل و لو كان في جنان الخلود

لقد أصبح حال بعض المفتونين من أبناء أمتنا بثقافة الغرب كحال الخليفة العباسي المهدي حينما قال:
أرى ماءً و بي عطشٌ شديدٌ ولكن لا سبيل إلى الورودِ
أما يكفيكِ أنكِ تملكيني و أن الناس كلُّهُمُ عبيدي
وأنكِ لو قطعتِ يدي ورجلي لقلتُ من الرضا: أحسنتِ، زيدي

إن الغريب في هؤلاء المتأثرين بغيرنا، من أبناء جلدتنا و ممن يحملون أسماءنا، أنهم نسوا أو تناسوا وغفلوا أو تغافلوا عن ذاك الإبداع الحضاري الذي أنتجته أمتنا طوال أكثر من اثني عشر قرناً من الزمان، يوم أن كانت أوروبا تغط في سباتها، راقدة على فراش الجهل، ملتحفة لحاف التخلف، تلفها ظلمات بعضها فوق بعض.

ذكر لنا التاريخ أن الإبداع الحضاري للمسلمين بلغ مبلغاً عظيماً في جميع المجالات، سواء كان ذلك في العلوم الإنسانية أو التجريبية أو التكنولوجية أو غيرها.

فلقد أبدع عالم العراق علي بن عقيل بن محمد البغدادي (المتوفى عام 513هـ) في التأليف، فصنف العديد من المصنفات أحدها (كتاب الفنون) والذي يتكون من أربعمائة جزء، قال عنه الذهبي: لم يصنف في الدنيا أكبر منه.

و أبدع ابن خلدون في علم الاجتماع حتى إنه ليعد مؤسس هذا العلم. و أبدع الزهراوي في علم الطب حتى ترجمت بعض كتبه إلى اللاتينية والعبرية، و قد استخرج قبل قرون طويلة الحصى من المثانة و قام بتفتيتها، بالإضافة إلى إجرائه العديد من العمليات الجراحية المعقدة في العين.

و أبدع أبو بكر الرازي في الكيمياء و الطبيعة و الطب، و ظلت أبحاثه حجة في هذه الميادين حتى القرن السابع عشر، وقد استخدم المنهج التجريبي – منهج الملاحظة والتجربة – قبل فرانسيس بيكون (1561-1626 م) بسبعة قرون. و كان الرازي أول من ابتكر خيوط الجراحة، و أول من صنع مراهم الزئبق، و له أبحاث تجريبية على الأحماض و القلويات و كذلك في الجدري و الحصبة و غيرها من أمراض الأطفال، و كتابه الحاوي يعتبر أكبر موسوعة طبية في ذلك الزمان.

وأبدع ابن الهيثم في الرياضيات و الطبيعيات و الطب و الفلسفة و الفلك، و ترك لنا مصنفات تربو على المائتي بحث و كتاب، منها ثمانون كتاباً في الفلك.

ومن إبداعاته أنه أول من أبطل النظرية اليونانية القائلة بأن الرؤية تحصل نتيجة لانبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم فقال: إن الرؤية تحصل نتيجة انعكاس الأشعة من الجسم المرئي إلى العين التي تخترقها الأشعة فترسم على الشبكية ثم ينتقل الأثر من الشبكية إلى الدماغ بواسطة عصب الرؤية فتحصل الصورة المرئية للجسم. كما شرح ابن الهيثم تركيب العين، و بيّن أجزاءها، وسماها بأسماء تطلق عليها حتى الآن مثل الشبكية و القرنية و السائل الزجاجي والسائل المائي.

وأبدع الإدريسي في علم الجغرافيا والاستكشافات، فقد جاب العالم الإسلامي والأوروبي وعبر المحيط الأطلسي ليستكشف ما وراءه من أرض، وكان يوقن بكروية الأرض قبل كريستوفر كولومبس بثلاثة قرون ونصف.

و قد طور المسلمون علم الفلك والجغرافيا حتى إنهم في القرن الثامن الميلادي، في عهد المأمون، توصلوا إلى قياس محيط الأرض، كما إنهم أول من جعل البارود مادة متفجرة قابلة لإطلاق القذائف.

إن لنا حضارة بلغت الآفاق. حضارة لم تكن مشوهة بل كانت شاملة لجوانب الخُلُق بالإضافة إلى التكنولوجيا والتقدم العلمي. لهذا، وجب على العقلاء و أهل الفكر تتبع التراث الإبداعي لدى أمتنا وإذاعته ونشره وتسويقه ليعلم أبناؤنا أنه بإمكاننا أن نصنع الكثير، فلنا تاريخ مشرق في ذلك، وقد كان لسان حالنا ما ذكره الفرزدق حيث قال:
ترى الناسَ ما سرنا يسيرون خلفنا و إنْ نحن أَوْمأْنا إلى الناس وَقَّفُوا

تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم:
ولعله ليس من فضول القول التنويه إلى أنه لا ينبغي التغني بالتراث والاكتفاء بذلك، فهذا شأن العجزة الذين لا تقام بهم حضارة و لا ترتفع لهم راية. إن على صانع التأثير ومهندس الحياة أن يدلي بدلوه في هذه الحياة، وأن يقدم شيئاً مؤثراً نافعاً فيها، وأن يثبت أنه مشرف لأمجاد آبائه لا عالة عليها وعليهم، وأن يبرهن أنه خير خلف لخير سلف لا العكس.

و صدق من قال:
إذا فخرت بآباءٍ لهم حسب نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا
و ما أحسن ما نطق الشاعر به حينما قال:
ليس الفتى من يقول كان أبي إن الفتى من يقول ها أنا ذا

إن الواجب على الحكومات و المؤسسات الواعية أن ترعى الأذكياء والمبدعين، وأن تؤسس معاهد ومراكز خاصة بهم، وأن تستقطب المبدعين والأفذاذ من أبناء أمتنا القابعين في ديار الغرب، وهم خَلْقٌ كثير، وأن تخصص ميزانية مجزية لهم.
وليس الخلدُ مرتبةً تُلقَّى وتؤخذ من شفاه الجاهلينا
ولكن منتهى همم كبار إذا ذهبت مصادرُها بَقينا

خلاصة ما أود لفت الانتباه إليه هو أنه ينبغي أن نتيقن أننا قادرون بإذن الله تعالى على فعل الكثير، وأن غيرنا ليسوا بأفضل منا، و أن عندنا من القدرات والإمكانات التي أودعها الله فينا ما لا يمكن أن يتصورها عقل بشري، وأننا نحن المسؤولين بدرجة كبيرة عن تقزيم أنفسنا وتهميشها أو عملقتها وإعلائها.

إننا بحاجة إلى التخلص من عقدة النقص ومن الشعور بالدونية و من الإحساس بالعجز الذي خلفه لنا الاستعمار ليحطم معنويات هذه الأمة. نحن بحاجة أن نكسر قيود الضعف و نفك أغلال الانهزام النفسي. نحن بحاجة إلى الشعور بأننا أقوياء بربنا و بديننا و بقيمنا و بما حبانا الله عزَّ وجلَّ من قدرات عقلية و نفسية و جسدية.

ليست هناك تعليقات: